رجل اسمه زينة
سكون رهيب أحاط بجِلسة الإفطار الجماعية في الصباح الباكر، قبل أن تُطِل الشمس بوجهها الجميل، وتقبِّل رؤوسهم بأشعَّتها، هي طقوس متَّبعة في عائلة "سماره" التي تجمَّعت وتقوقَعت فيما يُشبه القرية الصغيرة أو القبيلة، وما ألجأها إلى هذا المكان البعيد عن قريتهم الأصلية إلا نظرات الاستهجان والاحتقار، التي تنبَعث كالسهام من أعين أهل القرية، تتَّهِمهم بالتقصير في الأخذ بثأر أخيهم، الذي ضاعت دماؤه هدرًا بسبب اكتفائهم بالحكم الصادر ضد القاتل، وهو السجن لعدة سنوات؛ حيث استطاع محامي القاتل أن يُثبِت بكفاءته أن القتيل مات أثناء مشاجرة مع القاتل.
مشاجرة مع القاتل!
يا حزنك يا زينة! ومشهد قتْل زوجك لا يُفارق عينيك؛ بل كِيانك كله، كيف تنسين منظر الثلاثة الذين قتلوه على مدار الساقية حين قام اثنان منهم بشد وَثاقه، وأخذ الثالث يطعنه في صدره حتى فارَق الحياة؟!
صوت من أعماق النفس كان لا يُغادِر مسامع قلبها ليلاً ولا نهارًا، وتحوَّل إلى همٍّ وكابوس وهاجِس لا تستطيع طرْده؛ رُغم صمتها الطويل من أجل صغارها.
ولكن ماذا يفعل الصمت، وقد بدأت الأسئلة تُطارِد الصغار ليُطارِدوا بها أمهم؟!
♦ الأولاد يقولون لنا في المدرسة: صحيح عائلتكم الكبيرة ليس بها رجل ليأخذ بثأر أبيكم؟
سؤالٌ مرٌّ زادت مرارته بقرار الكبير بيع الديار والأراضي، وشراء أراضٍ أخرى في الأطراف للسكن والزراعة، هو مكان جديد وجميل في أعين الجميع إلا هي وأولادها الذين أحسُّوا بالضياع، كان حوار الصمت بينها وبين رجال العائلة ينتهي بأن يخفض الواحد منهم رأسه ويمضي من أمامها.
الآن استقرَّت حالة العائلة الكبيرة في المكان الجديد، وتوسَّعت في شراء المزيد من الأراضي بعد أن أفرغوا جميعًا هَمهم وغمَّهم في العمل والاجتهاد حتى صاروا من أكبر العائلات امتلاكًا للأراضي.
مازال السكون يُخيم على جِلسة الإفطار ذات المنظر الرهيب، أكثر من مائة نفس يجتمعون على الإفطار في "الوسعاية" الكبيرة التي تتوسَّط منازلهم تحت تكعيبة العنب، الكل في انتظار إذن الكبير للبَدء، والكبير لا يبدأ حتى يطمئن إلى حضور الجميع:
♦ محمد وعياله.
♦ حاضرين.
♦ عبد الصمد وعياله.
♦ حاضرين.
♦ شوقي وعياله
♦ حاضرين.
♦ أولاد المرحوم وأمهم.
لا شيء غير الصمت يُجيب، الكل ينظر إلى باب بيت زينة وأولادها، يَستطلِعون رؤيتهم وهم لا يَدرون ما عاقِبة بكائها طوال الليلة الماضية، وترديدها لأهازيج حزينة تُنادي بها زوجها الفقيد:
♦ يا حزني يا مقتول
♦ من راح (يجيب) حقك
♦ الكل خاف (م الغول)
♦ وتنازلوا عن دمك
ذكَّرهم هذا العويل بتهديدها الذي ردَّدته منذ سنوات قبل أن تدخل في صمتها المريب بعد الانتقال إلى الأراضي الجديدة، البعيدة عن أهل القاتل وأهالي القرية؛ حتى إنهم منعوها من نزول السوق؛ لأنها كانت تُرسِل الرسائل الشفهية مع بعض نساء القرية إلى نساء عائلة "أبي حيف":
♦ اطمئنُّوا الدم لا يسوس أبدًا، ودم زوجي فائر حتى يأخذ حقَّه.
فقد كان يَعقُب مِثل هذا التهديد اجتماع لجنة الصُّلح التي تدخَّلت لمنع تجدُّد الفتنة، وحضورهم إلى عائلة "سماره" للتحقيق في هذا التهديد، ثم ينتهي الأمر بعد أيمان مغلَّظة من الكبير أنه مجرد كلام نسوان، وأنه لم يعلم بشيء من ذلك.
طال الانتظار الممزوج بالصمت حتى قطعه صوت فتح الباب كأنه بكاء وعويل؛ ليخرج الأولاد ثم تعلو شهقة جماعية حين رأوا من ظنوه رجلاً يخرج في أعقابهم يحمل على كتفه بندقية، ويلبس ثيابًا عليها آثار دماءٍ قديمة، وقد حلق شعر رأسه وصبغ وجهه بالسواد .
ثم لم تأتِ الظهيرة إلا وقد شاعت أخبار مقتل ثلاثة من عائلة "أبي حيف" واثنين من عائلة "سمارة" خلال تَبادُل لإطلاق النار.
قصة الرجل والفتاتين
إِذَا كَانَ أحدنا ينشرح صدره، وتمتلئ جوانحه بالرَّاحَة، ويَتأثَّر فؤاده فيخفق ويهتزُّ، وقد تتساقط دموع عينيه بغزارة إِذَا قرأ قصة جميلة لأحد القصَّاصين أو الأدباء المبدعين، أو سمع حكاية معبِّرة من أحد النَّاس، أو مرَّ عَلى مشهد مؤثِّر من مشاهد الحياة الزَّاخرة، فكَيْف إذا كانت هذه القصة أو الحكاية أو المشهد في القرآن الكريم؟! أعظم كتاب في الوجود: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42]، وكَيف إذا كان القاصُّ، وصاحب الحكاية، وناقل المشهد هو اللهَ ربَّ العالمين، الخالق العظيم - جلَّ جلاله - وتقدَّسَت أسماؤه؟!
ولذلك كانت القصة القرآنية دوحة باسقة الظِّلال، دانية الجنَى، ذات أفنان مختلفة الثِّمار، عميقة الأصل، سامقة الفرع، لا ينتهي ظلُّها، ولا يذهب رونقها، فهي ذات ظلٍّ ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، رونقُ أسلوب، وبديعُ نظْم، وجمال صورة، عدا ما فيها من المواقف والتَّحاليل النَّفسية، والاستنتاجات الكامنة وراء الأحداث، ستبقى القصَّة القرآنية الشُّعلة الَّتي تضيء لهذا الإنسان؛ لِتَصل حاضره بمستقبله، وستبقى النَّفحة الرَّبَّانية التي تشرق بها النَّفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصَّادقة الَّتِي يطمئن الإنسان لمصداقيتها، وستبقى النَّمط السَّويَّ الَّذِي إن ترسَّمناه حقًّا فسيقينا سلبيات التَّشويش والتَّهويش والتَّشويه[1].
مَنْ هو صاحب مدين؟
يقول ابن كثير - رحمه الله -: "قد اختلف المفسرون في هذا الرَّجل من هو؟ عَلَى أقوال:
أحدها: أنه شعيب النَّبي - عليه السَّلام - الَّذِي أُرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد.
وقال آخرون: بل كَانَ ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب.
وقال آخرون: كَانَ شعيب قبل زمان موسى - عليه السَّلام - بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 89] وقد كَانَ هلاك قوم لوط في زمن الخليل - عليه السَّلام - بنص القرآن، وقد علم أنه كَانَ بين الخليل وموسى - عليهما السَّلام - مدة طويلة تزيد عَلَى أربعمائة سنة كما ذكره غير واحد، وما قيل: إنَّ شعيبًا عاش مدة طويلة إنما هو - والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال".
ثمَّ ذكر ابن كثير - رحمه الله - عددًا من المرجحات أنه ليس بالنَّبي شعيب - عليه السَّلام[2].
الدُّروس والعبر والدِّلالات:
دعُونا نعِشْ مع هذه القصة القرآنية من قصص النَّبي الكريم، والرَّسول العظيم موسى - عليه السَّلام - لنتوقف ونتأمَّل ونتدبَّر، ونستخرج بعض الدُّروس والعبر والمواقف والدِّلالات، لتشرق النُّفوس، وتعمر القُلُوب، وتستمتع العاطفة، ويقتنع العقل، وتسمو الرُّوح، ويرتبط التَّديُّن الحق بالحياة العملية، وصدق الله حيث يقول: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3].
الدَّرس الأول: حسن الظَّن بالله، والثِّقة به، والاعتماد عليه:
قال - جلَّ جلاله -: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [القصص: 22]، يقول - عليه السَّلام - وهو متوجِّه ناحية مدْين: لعل الله يرشدني إلى الطَّريق السَّوي الأقوم الَّذِي يوصلني إلى مقصدي وغايتي.
قال المفسِّرون: خرج خائفًا بغير زاد ولا ظهر (مركب)، وكان بين مصْر ومدْين مسيرةُ ثمانية أيام، ولم يكن له علمٌ بالطَّريق سوى حسن ظنِّه بربه، فبعث الله إليه ملكًا، فأرشده إلى الطَّريق[3]، وفعلاً حقَّق الله ما رجاه وأمَّله، يقول ابن كثير: "ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصِّراط المستقيم في الدُّنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًّا"[4] وهذا درس عظيم نتعلمه من الأنبياء - عليهم السَّلام - ومن أتباعهم العظام عَلَى مرِّ الزَّمان في حسن الظَّن بالله، وتفويض الأمر إليه، والله - سبحانه - لا يخلف ظن عبده به؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّهُ قال: ((قال الله - عزَّ وجلَّ -: أنا عنْد ظنِّ عبْدي بي، وأنا معه حيْث يذكرني))[5].
الدَّرس الثَّاني: المؤمن يهتم بحال النَّاس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:
قال - عليه السَّلام -: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا.. ﴾ [القصص: 23]، إنَّ المؤمن بالله يسأل عن حال النَّاس، ولا يسكت عن الأوضاع الخطأ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فسيدنا موسى - عليه السَّلام - لم يكتف برؤية المشهد؛ رجال يستأثرون بالماء دون النِّساء، وامرأتان تبذلان جهدهما تَذُودان وتكفَّان غنمهما أن ترد غنم أولئك الرُّعاة؛ لئلاَّ يؤذيا؛ بل بادر بالسُّؤال والاستجواب.
الدَّرس الثَّالث: خطورة اختلاط الرِّجال بالنِّساء، وما ينتج عنه من مفاسد:
﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [القصص: 23]، فالفتاتان فضَّلتا الانتظار والصَّبر ومدافعة الأغنام المندفعة صوب الماء، عَلَى مزاحمة الرِّجال، والاختلاط بهم، فالاختلاط شرٌّ محض يؤدي إلى شيوع البغاء، وقلة الحياء، وضياع الأعراض، وشيوع المنكرات، وفشوِّ الزِّنا، وغير ذلك من الموبقات العظيمة.
الدَّرس الرَّابع: فائدة الاعتذار، وإزالة الشُّبهة عن النَّفس:
ثمَّ قالتا: ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [القصص: 23] قال أبو حيان: "فيه اعتذارٌ لموسى عن مباشرتهما السَّقي بأنفسهما، وتنبيهٌ عَلَى أن أباهما لا يقدر عَلَى السَّقي لشيخوخته وكبره، واستعطافٌ لموسى عَلَى إعانتهما"[6].
الدَّرس الخامس: المساعدة وقضاء الحوائج في حياة المسلم:
قال - جلَّ جلاله -: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ﴾ [القصص: 24]، كانت هذه الإجابة العمَلية من سيدنا موسى - عليه السَّلام - بعد مشاهدته لذلك المنظر، وسماعه لذلك الجواب، واستشعاره لمعاناتهما، تصرَّف تصرُّف الرَّجل ذي المروءة والشَّهامة، الرَّجل الكريم الَّذِي يعرف ما أوجب الله عليه، وما يحب الله له: ﴿ فَسَقَى لَهُمَا ﴾ [القصص: 24]، وهذا هو حال المسلم مع النَّاس؛ مساعدة، وقضاء حوائج، ومواساة بالمال والنَّفس، وتقديم كلِّ ما يستطيع.
الدَّرس السَّادس: اللجوء والتَّضرع والدُّعاء والافتقار للخالق - جل شأنه:
قال - عز وجلَّ -: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: 24] درس في اللجوء إلى الخالق - سبحانه - والاستعانة به ودعائه، وهذا يذكرنا بدعاء وتضرُّع النَّبي - صلى الله عليه وسلَّم - عندما ذهب إلى الطَّائف، وهو يُبْدي عجزه وضعفه، ويصوِّر فقره واحتياجه، ويستجلب رحمة ربه، ويستمطر سحابة كرمه "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني عَلَى النَّاس..."[7].
الدَّرس السَّابع: أدب المناجاة، والذَّوق الرَّفيع العالي، والذِّكر المستمر:
ثمَّ انظر إلى أدب الدُّعاء، والمناجاة، والذَّوق العالي الرَّفيع في قول موسى- عليه السَّلام -: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: 24] لم يقل: أنا فقير إلى خيرك يا رب، ومحتاج، ولم يقل: أطعمني مثلاً، بل عبَّر عن حاجته بهذه الكلمات الرَّائعات، وهذا شأن الأنبياء صفوة الخلق، في جميل المناجاة وحسن الدُّعاء.
الدَّرس الثَّامن: حياء المرأة الفطري:
قال - تعالى -: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25]، جاءت بتكليف من أبيها، ﴿ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25] مِشْية فيها حياء، لا فيها تبذُّل، ولا فيها تبرُّج، ولا فيها إغواء، ولا فيها تهييج، وإنَّما مشية الحياء، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرِّجال والحديث معهم[8].
الدَّرس التَّاسع: كلام المرأة المسلمة مع الأجانب مختصر وواضح وغير مضطرب ولا مغْر:
﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [القصص: 25]، وجهت الدَّعوة إلى موسى - عليه السَّلام - في أقصر لفظ وأوضحه، ما أكثرت من الكلام، ولا أطالت في الحديث، وإنَّما لفظ مختصر، لكنه واضح في غير ما اضطراب، ولا تلجلج يغري أو يهيج، قال ابن كثير: "وهذا تأدبٌ في العبارة لم تطلبه طلبًا مطلقًا؛ لئلا يوهم ريبة"[9].
الدَّرس العاشر: مكافأة صنيع المعروف، وأهمية تربية الأبناء التَّربية السَّليمة الصَّحيحة:
﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [القصص: 25]، إنَّ أبي يطلبك ليعوضك عن أجر السِّقاية لغنمنا؛ لأنك صنعت إلينا معروفًا، ونريد أَنْ نكافئك، وفيما مضى من وصف لهاتين الفتاتين ثناء من ربنا - عزَّ وجلَّ - في القرآن عليهما، وعَلَى أبيهما الصَّالح القانت الَّذِي أحسن تربيتهما وتوجيههما وتعليمهما حَتَّى كانتا عَلَى مثل هذا الخلق القويم، "وهذا يجعل واجب الآباء والمربين مهمًّا ومؤثِّرًا في تربية خلق الحياء الكسبي، الَّذِي يحجز الأطفال عن العيِّ والخجل، ويحفظ الشَّباب من الشُّرور والآثام"[10].
الدَّرس الحادي عشر: حاجة الإنسان إلى من يخفف عنه، ويطمئن قلبه:
قال - جلَّ جلاله -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 25] لما وصل - عليه السَّلام - إلى الرَّجل الصَّالح، وذكر له ما كَانَ من أمره، وما جرى له من السَّبب الَّذِي خرج من أجله من بلده، قال له: لا تخف، وطب نفسًا، وقرَّ عينًا، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال: ﴿ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 25][11]، فالإنسان دائمًا يحتاج إلى من يخفف عنه مصائبه ويطمئن قلبه.
الدَّرس الثَّاني عشر: صوت الأنوثة المستقيمة السَّليمة:
﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ [القصص: 26]، فهي تشير عَلَى أبيها باستئجاره ليكفيها وأختها مؤنة العمل والاحتكاك والتَّبذُّل، وهو قوي عَلَى العمل، أمين عَلَى المال، فالأمين عَلَى العرض هكذا أمين عَلَى ما سواه، وهي لا تتلعثم في هذه الإشارة ولا تضطرب، ولا تخشى سوء الظَّن والتُّهمة، فهي بريئة النَّفس، نظيفة الحس؛ ومن ثمَّ لا تخشى شيئًا، ولا تتمتم ولا تجمجم وهي تَعْرض اقتراحها عَلَى أبيها، إنها وأختها تعانيان من رعي الغنم، ومن مزاحمة الرِّجال عَلَى الماء، ومن الاحتكاك الَّذِي لا بد منه للمرأة الَّتِي تزاول أعمال الرِّجال، وهي تتأذَّى وأختها من هذا كلِّه، وتريد أَنْ تكون امرأة تأوي إلى بيت؛ امرأة عفيفة مستورة لا تحتك بالرِّجال الغرباء في المرعى والمسقى، والمرأة العفيفة الرُّوح النَّظيفة القلب، السَّليمة الفطرة، لا تستريح لمزاحمة الرِّجال، ولا للتبذل النَّاشئ من هذه المزاحمة[12].
الدَّرس الثَّالث عشر: شرطان أساسيان للإدارة الصَّحيحة:
﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26]، قال أبو حيان: "وقولها كلام حكيم جامع؛ لأنه إِذَا اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمرٍ من الأمور، فقد تمَّ المقصود"[13] كَانَ من أهم الشُّروط وأكثرها أصالةً شَرطان لُخِّصا في "القوَّة" و"الأمانة"، ومن البدهي أنَّ القوَّة المذكورة - آنفًا - ليس المراد منها قوَّة الجسم فحسب، بل القدرة عَلَى تحمُّل المسؤولية أيضًا.
الدَّرس الرَّابع عشر: عرض الرَّجل وليته عَلَى الرَّجل الصَّالح:
﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾ [القصص: 27]، إني أريد أن أزوجك إحدى بنتيَّ هاتين، "فهو يعرض نكاحًا لا يخجل منه، يعرض بناء أسرة، وإقامة بيت، وليس في هذا ما يخجل، ولا ما يدعو إلى التَّحرج والتَّردد والإيماء من بعيد، والتَّصنع والتَّكلف مما يشاهد في البيئة الَّتِي تنحرف عن سواء الفطرة، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة، تَمنع الوالد أو ولي الأمر من التَّقدم لمن يرتضي خلُقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته؛ وتحتِّم أن يكون الزَّوج أو وليّه أو وكيله هو الَّذِي يتقدم، أو لا يليق أَنْ يجيء العرض من الجانب الَّذِي فيه المرأة، ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أنَّ الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدَّثون ويختلطون ويتكشَّفون بعضهم لبعض في غير ما خِطبة ولا نية نكاح، فأمَّا حين تُعرض الخطبة أو يُذكر النِّكاح، فيهبط الخجل المصطنع، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة"![14].
الدَّرس الخامس عشر: الإجارة عَلَى النَّفس:
﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ [القصص: 27]، قال الشَّيخ الصَّالح لموسى - عليه السَّلام -:كلُّ ذلك بشرط أَنْ تكون أجيرًا لي ثماني سنين ترعى فيها غنمي: ﴿ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ [القصص: 27]؛ أي: فإن أكملتها عشر سنين، فذلك تفضُّل منك، وليس بواجب عليك.
"وقد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم، في صحة استئجار الأجير بالطُّعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه ابن ماجه"[15]، يقول عتْبة بْن النُّدَّر: كنَّا عنْد رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -، فقرأ ﴿ طس ﴾ حتَّى إذا بلغ قصَّة موسى، قال: إنَّ موسى - صلى الله عليه وسلَّم - آجر نفْسه ثماني سنين أوْ عشْرًا على عفَّة فرْجه وطعام بطْنه"[16].
الدَّرس السَّادس عشر: عدم المشقَّة عَلَى المسلم:
﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ [القصص: 27]، يقول الرَّجل الصَّالح لموسى- عليه السَّلام -: لا أُريد أن أوقعك في المشقة باشتراط العشر، ولا أريد أَنْ أتعبك في العمل، وهذا دأب الصَّالحين في التَّعامل مع إخوانهم إِذَا كلفوهم بعمل من الأعمال، أو استأجروهم لغرض من الأغراض.
الدَّرس السَّابع عشر: أدب جميل في التَّحدث عن النَّفس:
﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [القصص: 27]، ستجدني - إن شاء الله - حسَنَ المعاملة، لَيِّن الجانب، وفيًّا بالعهد فهو لا يزكِّي نفسه، ولا يجزم بأنه من الصَّالحين، قال ابن كثير: "أيْ: لا يقدر أحدٌ أن يَهدي نفسه، أو يدخل في الإِيمان، أو يجر لنفسه نفعًا، إلاَّ بمشيئة الله تعالى"[17].
الدَّرس الثَّامن عشر: لا مجال للغموض في مواضع العقد وشروط التَّعاقد:
قال موسى - عليه السَّلام -: ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ [القصص: 28]، إنَّ ما قلتَه، وعاهدتَني عليه، قائم بيننا جميعًا لا نخرج عنه، و"سواء قضيت ثماني سنوات أو أتممت عشرًا، فلا عدْوان في تكاليف العمل، ولا عدوان في تحتيم العشر؛ فالزِّيادة عَلَى الثَّمانية اختيار"[18].
الدَّرس التَّاسع عشر: وضوح الشَّخصية، والاحتياط للنفس، وأداء العمل عَلَى الوجه الأكمل:
بيَّن موسى- عليه السَّلام - هذا البيان: ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾؛ تمَشِّيًا مع استقامة فطرته، ووضوح شخصيته، وتوفية بواجب المتعاقدين في الدِّقَّة والوضوح والبيان، وهو ينوي أَنْ يوفي بأفضل الأجَلَين كما فعل[19]، ومن أجل استحكام العقد بينهما والاحتياط للنفس؛ جعل موسى - عليه السَّلام - الله كفيلاً عَلَى ما تم بينهما، وقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 28]، والله شاهد عَلَى ما تعاهدنا وتواثقنا عليه، فهو الشَّهيد الموكل بالعدل بين المتعاقدين، وكفى بالله وكيلاً.
الدَّرس العشرون: مدْرسة التَّوكل عَلَى الله:
فقد توكَّل موسى - عليه السَّلام - عَلَى ربه سبحانه في كلِّ شأن من شؤون حياته، وفي هذه القصة نرى نماذج وأمثلة توحي بثقة موسى المطْلَقة بربه - تعالى - فعندما قصد مدين هاربًا خائفًا يترقَّب، ﴿ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [القصص: 22]، وحينما ذهب إلى الظِّل متْعَبًا مرهقًا، ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: 24]، وحينما تم العقد بينه وبين الرَّجل الصَّالح قال:﴿ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 28] والتَّوكل عَلَى الله هو حال جميع الأنبياء والرُّسل وأتباعهم إلى يوم الدِّين، قَال - جلَّ جلاله -: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [إبراهيم: 11].
[1] فضْل حسن عباس، "القصص القرآني: إيحاؤه ونفحاته"، ج1، ط1 (الأردن: دار الفرقان، 1987) ص9، 13 بتصرف .
[2] ابن كثير، "تفسير القرآن العظيم"، ج3، (بيروت: دار الفكر، 1401هـ) ص385.
[3] نفس المرجع السَّابق، ج2، ص 430.
[4] نفس المرجع السَّابق، ص384.
[5] مسلم، كتاب الذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار، باب الحث عَلَى ذكر الله، حديث 4832.
[6] "البحر المحيط"، ج7، ص113.
[7] أبو الحسن النَّدوي، "نظرات في الأدب"، ط 1 (الأردن: دار البشير للنشر والتَّوزيع، 1991) ص37.
[8] سيد قطب، "في ظلال القرآن"، ج5، ص 2668 بتصرف.
[9] ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص384.
[10] محيي الدِّين مستو، "الحياء سيِّد مكارم الأخلاق"، ط1 (دمشق: دار الكلم الطَّيب، 1996) ص 53.
[11] "تفسير البيضاوي"، مرجع سابق، ج4، ص 288
[12] سيد قطب، مرجع سابق، ص2687.
[13] "البحر المحيط"، ج7، ص114
[14] سيد قطب، مرجع سابق، ص2688
[15] ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص386.
[16] "سنن ابن ماجه"، كتاب الأحكام، باب إجارة الأجير عَلَى طعام بطنه، حديث2435.
[17] الصَّابوني، مرجع سابق، ج3، ص497
[18] سيد قطب، مرجع سابق، ص2689.
[19] نفس المرجع السَّابق، ص2689.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/25338/#ixzz4fI37hkmJ.
حكم أخذ الأجرة على الرقية
ورد في المسألة عدة أحاديث؛ منها:
1- عن أبي سعيدٍ قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبَوا أن يُضيفوهم، فلُدغ سيِّدُ ذلك الحي، فسعَوا له بكل شيءٍ لا ينفعُه شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتُم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا؛ لعلَّه أن يكون عند بعضهم شيءٌ، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهطُ، إن سيِّدنا لُدغ، وسعَيْنا له بكلِّ شيءٍ لا ينفعُه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟
فقال بعضُهم: نعم، والله إنِّي لأرقي، ولكنْ والله لقد استضفناكم فلم تُضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تَجعلوا لنا جُعلًا.
فصالَحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق يتفلُ عليه، ويقرأُ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فكأنما نُشط من عقالٍ، فانطلق يَمشي وما به قَلَبَةٌ، قال: فأَوفَوهم جُعْلَهم الذي صالَحوهم عليه، فقال بعضُهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظُر ما يأمُرُنا.
فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: ((وما يُدريك أنَّها رُقيَةٌ؟))، ثُم قال: ((قد أصبتُم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهمًا))، فضحك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم[1].
2- عن ابن عباسٍ أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بماءٍ، فيهم لديغٌ أو سليمٌ، فعرض لهم رجُلٌ من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راقٍ؟ إن في الماء رجُلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجُلٌ منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ، فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: أخذتَ على كتاب الله أجرًا! حتى قدموا المدينةَ، فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أحق ما أخذتُم عليه أجرًا كتابُ الله))[2].
3- عن خارجة بن الصلت، عن عمِّه، أنه مرَّ بقومٍ فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجُل بخيرٍ، فارْقِ لنا هذا الرجُل، فأتوه برجُلٍ معتوهٍ في القُيود، فرقاه بأُمِّ القُرآن ثلاثة أيامٍ غُدوةً وعشيةً، وكلما ختمها جمع بُزاقه ثُم تفل، فكأنما أُنشط من عقالٍ فأعطوه شيئًا، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكره له، فقال النبيُ صلى الله عليه وسلم: ((كل، فلعمري لمن أكل برُقية باطلٍ، لقد أكلتَ برُقية حقٍّ)).
وفي لفظ: "أنه مرَّ بقومٍ فأتوه، فقالوا: إنك جئتَ من عند هذا الرجُل بخيرٍ، فارْقِ لنا هذا الرجُل، فأتوه برجُلٍ معتوهٍ في القُيود، فرقاه بأُمِّ القُرآن ثلاثة أيامٍ غدوةً وعشيةً"[3].
4- عن يعلى بن مُرة قال: لقد رأيتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، ما رآها أحدٌ قبلي، ولا يراها أحدٌ من بعدي: لقد خرجتُ معه في سفرٍ حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأةٍ جالسةٍ معها صبيٌّ، قالت: يا رسول الله، ابني هذا قد أصابه بلاءٌ، وأصابنا منه بلاءٌ، يُؤخذُ في اليوم لا أدري كم مرةً، قال: ((ناولينيه)).
فرفعتْه إليه فجعله بينه وبين واسطة الرحل، ثُم فغر فاه، فنفث فيه ثلاثًا ((بسم الله، أنا عبدالله، اخسأ عدوَّ الله))، ثُم ناولها إياه، فقال: ((القينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل))، قال: فذهبنا ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان، معها شياهٌ ثلاثٌ، فقال: ((ما فعل صبيُّكِ؟))، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما حسسنا منه شيئًا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: ((انزل فخُذ منها واحدةً، ورُد البقية...))[4].
ذهب جماهير العلماء إلى جواز أخذ الأُجرة على الرُّقية، وهو قول الأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية[5].
• قال جمال الدين الخزرجي المنبجي الحنفي رحمه الله[6]: ما سبيله أن لا يفعل إلَّا على وجه القربة، لا يجوز أخذ الأُجرة عليه - ثمَّ ذكر الأحاديث الناهية عن أخذ الأجرة على القرآن - وقال: وأما قوله عليه السلام في حديث الرقية: ((خذوها واضرِبوا لي بسهم))، فالجواب عنه من وُجوه؛ أحدها: أن القوم كانوا كفَّارًا فجاز أخذ أموالهم، والثاني: أن حقَّ الضيف لازم ولم يضيفوهم، والثالث: أن الرقية ليست بقُربة محضة، فجاز أخذ الأجر عليها، وكذلك على العلاجات كلها.
• وقال أبو زكريا النووي رحمه الله[7]: قولُه صلى الله عليه وسلم: ((خُذوا منهم واضربوا لي بسهمٍ معكم)): هذا تصريحٌ بجواز أخذ الأُجرة على الرقية بالفاتحة والذِّكر، وأنها حلالٌ لا كراهة فيها، وكذا الأُجرةُ على تعليم القُرآن؛ وهذا مذهبُ الشافعي، ومالكٍ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وآخرين من السلف ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القُرآن، وأجازها في الرُّقية.
• وقال أبو الوليد بن رشد رحمه الله[8]: وأما الذين كرهوا الجُعل على تعليم القُرآن، فقالوا: لم يكن الجُعلُ المذكورُ في الإجارة على تعليم القُرآن، وإنما كان على الرَّقي، قال: وسواءٌ أكان الرَّقيُ بالقُرآن أو غيره، الاستئجارُ عليه عندنا جائزٌ.
• وقال ابن قدامة رحمه الله[9]: فأما الأخذُ على الرُّقية، فإن أحمد اختار جوازه، وقال: لا بأس.
• وقال ابن تيمية رحمه الله[10]: ولا بأس بجواز أخذ الأُجرة على الرُّقية، ونصَّ عليه أحمدُ.
• وقال ابن حزم رحمه الله[11]: والإجارةُ جائزةٌ على تعليم القُرآن، وعلى تعليم العلم مُشاهرةً وجُملةً، وكلُّ ذلك جائز، وعلى الرَّقْي؛ لأنه لم يأتِ في النَّهي عن ذلك نصٌّ، بل قد جاءت الإباحةُ - فَذَكر حديثَ ابن عباس - وقال: وهو قولُ مالكٍ، والشافعي، وأبي سُليمان.
فائدة:
وقد يكون الأجر على الرقية من باب الإجارة، أو من باب الجعالة.
لو قال المريض للرَّاقي: ارقِ بمبلغ كذا وكذا، وكان الاتِّفاق على القراءة فقط، شُفي المريض أو لم يشف، وعلى مدَّة معلومة - فهذا من باب الإجارة؛ لأنها تكون على عمل معلوم، بعوض معلوم، في مدَّةٍ معلومة.
وأما إذا اشترط المريض الشفاءَ؛ فقال للراقي: لك كذا وكذا إن شُفيتُ، فهذا من باب الجعالة؛ لأنَّها عقدٌ على منفعةٍ يُظنُّ حصولها، وقد تكون على عملٍ مجهولٍ[12].
فإن كان من باب الإجارة، فلا أعلم خلافًا في جوازه، والله أعلم.
• وقال بعض الشافعية والحنابلة بجواز المشارطة على الشفاء في الرقية، واعتبروه من باب الجعل.
واستدلوا بحديث أبي سعيد[13].
• وخالف في ذلك بعضُ المالكية، والحنابلة[14].
• وقال سليمان الجمل الشافعي رحمه الله[15]: إن جعل الشفاء غايةً لذلك؛ كلتُداويني إلى الشفاء أو لترقيني إلى الشِّفاء؛ فإن فعل ووُجد الشفاءُ، استحق الجُعل، وإن فعل ولم يحصُل الشفاءُ، لم يستحق شيئًا؛ لعدم وُجود المُجاعل عليه، وهو المُداواةُ والرُّقيةُ إلى الشفاء.
• وقال ابن قدامة رحمه الله[16]: وقال ابنُ أبي موسى: لا بأس بمُشارطة الطبيب على البُرء؛ لأن أبا سعيدٍ حين رقى الرجُل، شارطه على البُرء، والصحيحُ إن شاء الله أن هذا يجوزُ، لكن يكونُ جعالةً لا إجارةً؛ فإن الإجارة لا بُدَّ فيها من مُدةٍ، أو عملٍ معلوم، فأما الجعالةُ، فتجوزُ على عملٍ مجهولٍ، وحديثُ أبي سعيدٍ في الرُّقية إنما كان جعالةً.
• وقال المرداوي رحمه الله[17]: يجوزُ أن يستأجر طبيبًا ويُقدرُ ذلك بالمُدة؛ لأنَّ العمل غيرُ مضبوطٍ، ويُبينُ قدر ما يأتي له: هل هو مرة أو أكثر؟
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[18]: إذا جعل للطبيب جُعلًا على شفاء المريض جاز؛ كما أخذ أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم الذين جُعل لهم قطيعٌ على شِفاء سيِّدِ الحي، فرقاه بعضُهم حتى برئ، فأخذوا القطيعَ؛ فإن الجُعل كان على الشِّفاء لا على القراءة، ولو استأجر طبيبًا إجارةً لازمةً على الشفاء، لم يجُز؛ لأن الشفاء غيرُ مقدورٍ له، فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه؛ فهذا ونحوُه مما تجوزُ فيه الجعالةُ دون الإجارة اللازمة.
• وقال ابن جبرين رحمه الله[19]: لا مانع من أخذ الأجرة على الرُّقية الشرعية، بشرط البراءة من المرض وزوال أثَره.
قلت: فحاصل القول في المسألة: جواز أخذ الأجرة على الرُّقية الشرعية من الكتاب والسنَّة، وإن كان الأولى احتساب الأجر والمثوبة عند الله ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. أمَّا إذا احتاج مالًا واشترط على المريض أجرًا، فيجوز له ذلك؛ كما فعل أبو سعيد، مع مراعاة أحوال المريض غناءً وفقرًا، تدينًا وتفريطًا[20].
فالراقي - والله أعلم - يشبه الطَّبيب شيئًا ما؛ فالطبيب يداوي المريضَ على أجرٍ معلوم، وكذلك يجوز للرَّاقي أن يَرقي المريضَ على أجرٍ معلوم، وهذا يكون إجارةً، ويفترق الطبيب والرَّاقي في أنَّ المريض يجوز له أن يشترط على الرَّاقي الشفاءَ على الأجر؛ ويكون هذا من باب الجعالة، لكنَّه لا يجوز أن يشترط الشِّفاءَ على الطبيب.
التحذير من التوسع في أخذ الأجرة على الرقية:
من الأخطاء والمخالفات المنتشرة في كثيرٍ من البلدان المُبالغةُ الفاحشة في طلب الأجر على الرقية، وتكليف الناس فوق استطاعتهم.
حتى إنَّ بعض الرَّاقين رفض أن يرقي مريضًا؛ لأنه لا يملك عشرة جنيهات يدفعها له، وآخر يطلب من رجل فقيرٍ أن يدفع له مائةَ جنيه، ولا يقبل بأقل من ذلك، وإلا تركه وذهب، حتى إنَّ الشيخ عبدالكريم بن صالح الحميد قال عن واحدٍ من هؤلاء[21]: بلغني أنَّ بعضهم يأخـذ (خمسمائـة) ريالٍ مقابل ورقة يَكتبهـا لا تساوي رُبع ريال! وبعضهم يصف أواني الماء، ثمَّ ينفخ عليها نفخةً، ثم يبيعها بأغلى من ثَمنها، وبعضهم يأتي بورقة طويلة بطول القامة، ثُم يكتب فيها بعضَ الآيات، ويسمِّيها "البـدن"، ثمَّ يجعل قيمتها ثمانمائة وخمسين ريالًا.
وليتذكَّر كلُّ راقٍ يشُقُّ على الناس قولَه صلى الله عليه وسلم: ((اللهمَّ مَن وَلِيَ من أمر أُمَّتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أُمَّتي شيئًا فرفق بهم، فارفُق به))[22].
فينبغي على الراقي إذا أخذ أجرًا على رقيته مراعاةُ أحوال الناس غنًى وفقرًا؛ فلا يكلِّف الفقيرَ من المال فوق طاقته؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا أيها الناسُ، إن منكم مُنفِّرين))[23].
بل إنَّ الأولى أن يَحتسب الرَّاقي الأجرَ والمثوبةَ من الله تعالى إذا استطاع الاستغناء عن ذلك، وما أخذ أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم أجرًا في قصَّة أبي سعيد الخدري إلا لعلَّةٍ مذكورة في الحديث، فيه: "فقال بعضُهم: نعم، والله إنِّي لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تُضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا"[24].
• قال ابن عبدالبرِّ رحمه الله[25]: وفي إباحة الرُّقى إجازةُ أخذ العوض عليه؛ لأنَّ كلَّ ما انتُفع به جاز أخذُ البدل منه، ومَن احتسب ولم يأخُذ على ذلك شيئًا، كان له الفضلُ.
• وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله[26]: فلا مانع أن يأخذ الراقي أجرًا على رقيته هذه، لا مانع منه، لكنَّني أنصح أولئك الذين امتهنوا الرُّقيةَ أن يتَّقوا الله في أنفسهم، وألَّا يستغلُّوا ضعفَ المريض وعجزه؛ فإنَّ المريض يتطلَّع إلى العلاج بكلِّ وسيلة، وربما استَعملوا أكاذيب وأشياء لا حقائق لها ليُظهروا أنَّهم مَهرة في رقيتهم، وأنهم حذَّاق في هذا الأمر، فليتَّق الله أولئك الرَّاقون، وليراقبوا اللهَ، وليبتعدوا عن الكذب والدَّجل، وليكن همهم مَنفعة المريض، ولا شك أنَّ الأخذ (أخذ الأجرة) جائز لهم، ولكن لتكن هذه الأجرة بالمعقول، ولا تكن استغلاليَّة ولا انتهازية، فليتَّقوا الله في أمورهم.
• وقال ابن جبرين رحمه الله[27]: والأولى بالقرَّاء عدم الاشتراط، وأن تكون الرُّقية لنفع المسلمين وإزالة الضَّرر والمرَض؛ فإن دفعوا له شيئًا بدون اشتراط، أخَذه دون أن يكون هو قصده، وإن دفعوا له شيئًا أكثر مما يستحق، رَدَّ الزائدَ إليهم، وإن اشترط فلا يشدِّد في الاشتراط، بل بقدر الحاجة الضرورية.
[1] صحيح: أخرجه البخاري (5007، 2276، 5736، 5749)، ومسلم (2201)، عن (أبي عوانة، وشعبة، وهشيم)، عن أبي بشرٍ جعفر بن إياس، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيدٍ، وأخرجاه عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيدٍ.
قلت: قد خالف الأعمش شعبة ومن معه في إسناد هذا الحديث ومتنِه؛ فأما الإسناد فإنه جعل أبا نضرة بدل أبي المتوكل، وأما المتن فزاد فيه زيادات تأتي.
وقد أخرجه أحمد (3/ 10)، وابن أبي شيبة (7/ 411)، والترمذي (2063)، وابن ماجه (2156)، والدارقطني (3034)، عن أبي معاوية الضرير، وابن حبان (6112)، والحاكم (1/ 559)، عن جرير، كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن أبي نضرة المنذر بن مالك، عن أبي سعيدٍ... بعثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريةٍ ثلاثين راكبًا... قالوا: فيكم أحدٌ يرقي من العقرب؟ قال: فقلت: نعم أنا، ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئًا، قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاةً.
قال أبو معاوية: قال: فقرأتُ عليها الحمد سبع مراتٍ.
وفي رواية عند ابن حميد في "المنتخب" (864)، والنسائي في "الكبرى" (7490، 10799)، عن يعلى بن عبيد الطنافسي، عن الأعمش، وفيه: قال: فجعلتُ أقرأ فاتحةَ الكتاب وأمسح المكان الذي لدغ، حتى برأ، فأعطونا الغنم، فقلت: والله ما نأكل، ما أدري ما الرَّقْيُ، ولا أُحسن الرَّقْيَ؛ ونحو هذا قال جرير.
وهذه الروايات فيها زيادات:
الأولى: أنهم كانوا في سرية، وكانوا ثلاثين.
الثانية: أن الراقي أبو سعيد.
الثالثة: أنهم أعطوهم ثلاثين شاة.
الرابعة: أنه قرأ بفاتحة الكتاب سبع مراتٍ.
الخامسة: أن وضع اليد يكون على موضع الألم، وهذا سبق له أدلةٌ أخرى.
السادسة: أنه قد يرقي بكتاب الله تعالى مَن لا يحسن الرقية، شريطة ألا يَخرج عن الآيات.
قال الترمذي: حديث شعبة أصح من حديث الأعمش، وهكذا روى غير واحدٍ هذا الحديث، عن أبي بشرٍ؛ "السنن" (4/ 399).
وقال ابن ماجه: والصواب هو أبو المتوكل؛ "السنن" (2/ 729).
وقال الدارقطني: رواه الأعمش، عن أبي بشرٍ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ، وخالفه شعبة، وهشيمٌ، فروياه عن أبي بشرٍ، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيدٍ، وهو الصحيح؛ "العلل" (11/ 333).
وقال ابن حجر: والذي يترجَّح في نقدي أن الطريقين محفوظان؛ لاشتمال طريق الأعمش على زياداتٍ في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه، فكأنَّه كان عند أبي بشرٍ عن شيخين، فحدَّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا؛ "فتح الباري" (4/ 455).
قلت: القلب أميل إلى قول الحافظ ابن حجر رحمه الله؛ لا سيما والأعمش إمام حافظ جليل القدر، ولعلَّ أبا بشر سمعه من أبي المتوكل وأبي نضرة؛ فكلاهما شيخ له، وإنْ أكثَرَ عن أبي المتوكل، والله أعلم.
فائدة: قال ابن حجر: وقد استشكل كون الراقي هو أبو سعيدٍ راوي الخبر مع ما وقع في رواية معبد بن سيرين: فقام معها رجلٌ ما كنا نظنُّه يحسن رقيةً، وأخرجه مسلمٌ بلفظٍ فيه: فلما رجع قلنا له: أكنتَ تحسن رقيةً؟ ففي ذلك إشعارٌ بأنه غيره، والجواب: أنه لا مانع من أن يكني الرجل عن نفسه، فلعلَّ أبا سعيدٍ صرَّح تارةً وكنى أخرى، وفي حديث جابرٍ عند البزار: فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أرقيه، وهو مما يقوي رواية الأعمش؛ فإن أبا سعيدٍ أنصاريٌّ، وأما حمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة وأن أبا سعيدٍ روى قصتين كان في إحداهما راقيًا وفي الأخرى كان الراقي غيره، فبعيدٌ جدًّا، ولا سيما مع اتحاد المخرج والسياق والسبب، ويكفي في ردِّ ذلك أن الأصل عدم التعدُّد، ولا حامل عليه؛ فإن الجمع بين الروايتين ممكنٌ بدونه؛ "فتح الباري" (4/ 456).
[2] أخرجه البخاري (5737)، وقد بوب له البخاري رحمه الله فقال: باب الشرط في الرقية بقطيعٍ من الغنم.
[3] في إسناده نظر: مداره على الشعبي، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه، رواه عن الشعبي:
1و2 - زكريا ووكيعٌ؛ أخرجه أحمد (5/ 210)، وابن ماجه (6111)، وابن الأثير في "أسد الغابة" (6/ 367)، عن يحيى بن سعيدٍ، عن زكريا ووكيع، عن عامر، عن خارجة بن الصلت، عن عمه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" (631)، وأبو داود (3896)، وابن حبان (6110، 6111)، والحاكم (1/ 559 - 560)، والدارقطني (4810 - 4812)، والمزي في "التهذيب" (8/ 14)، والطبراني (17/ 509)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (2502، 7116)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (7/ 91)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (1/ 174)، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه.
3 - عبدالله بن أبي السفر؛ وأخرجه أحمد (5/ 211)، والطيالسي (1459)، أبو داود (3420، 3897، 3901)، والنسائي في "الكبرى" (10804)، و"عمل اليوم والليلة" (630)، وابن السني (635)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (6017)، والدارقطني (4813)، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (590)، عن شعبة، عن عبدالله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه.
قلت: خارجة بن الصلت روى عنه عامر، وعبدالأعلى بن عبدالحكم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي: محله الصدق، وقال ابن حجر: مقبول، وبعضهم أدخله في الصحابة، وهو باطل، وقال ابن أبي خيثمة: إذا حدَّث الشعبي عن رجل فسمَّاه، فهو ثقة يحتج بحديثه؛ "الجرح والتعديل" (6/ 323).
قلت: ولم أقف على أحدٍ تكلم فيه، وعم خارجة قيل: اسمه: علاقة بن صحار، وقيل: عبدالله بن عثير، والله أعلم.
قال ابن حجر في شرح حديث أبي سعيد السابق: وقعت للصحابة قصةٌ أخرى في رجلٍ مصابٍ بعقله، فقرأ عليه بعضهم فاتحةَ الكتاب فبرأ - من طريق خارجة بن الصلت عن عمه... فالذي يظهر أنهما قصتان؛ "فتح الباري" (4/ 455).
[4] في كل طرقه مقالٌ: رواه عن يعلى بن مرة جماعة؛ منهم:
1 - عبدالرحمن بن عبدالعزيز؛ أخرجه ابن أبي شيبة (31753)، وأحمد (4/ 170)، وغيرهما، قلت: عبدالرحمن مجهول.
2 - عبدالله بن حفصٍ؛ أخرجه أحمد (4/ 173)، وابن حميد في "المنتخب" (405)، وغيرهما، قلت: عبدالله مجهول، وهو من رواية عطاء بن السائب، وقد اختلط.
3 - المنهال بن عمرٍو؛ أخرجه وكيع (508)، وهناد (2/ 621)، كلاهما في "الزهد"، وأحمد (4/ 172)، عن الأعمش، عن منهال، قلت: المنهال عن يعلى مرسلٌ؛ كما في التهذيب.
قلت: وروي عن يعلى، عن أبيه؛ وهو وهمٌ، قال الحربي في "غريب الحديث" (1/ 315): عن ابن يعلى بن مرة، عن أبيه، وقال أحمد في "المسند" (4/ 171): عن يعلى بن مرة، عن أبيه - قال وكيعٌ: مرة؛ يعني: الثقفي، ولم يقل: مرَّة عن أبيه.
وذكر البيهقي في "دلائل النبوة" (6/ 22) رواية المنهال عن يعلى يرفعه، وقال: هذا أصح، والأول وهمٌ؛ قاله البخاري؛ يعني: روايته عن أبيه وهمٌ، إنما هو عن يعلى نفسه، وهم فيه وكيعٌ مرةً، ورواه على الصحة مرةً، قلت: وقد وافقه فيما زعم البخاري أنه وهم يونسُ بن بكيرٍ، فيحتمل أن يكون الوهم من الأعمش، والله أعلم.
قلت: أخرجه الحاكم (2/ 674)، وغيره، عن يونس بن بكيرٍ، عن الأعمش، عن المنهال، عن يعلى بن مرة، عن أبيه.
4 - حبيب بن أبي جبيرة؛ أخرجه أحمد (4/ 172)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (3/ 221)، والطبراني في "الكبير" (22/ 705)، قلت: حبيب مجهول.
[5] قلت: وما يذكر من الآثار عن السَّلف في مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن يصلح للاحتجاج هنا، وأعرضتُ عن ذكره هنا؛ لأنَّ حديث الباب صريحٌ، وفيه كفاية، والله أعلم.
[6] "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" (2/ 532)، والمنبجي من علماء القرن السابع ت 686هــ.
[7] "شرح مسلم" (14/ 188).
[8] "بداية المجتهد" (4/ 9)، ط دار الحديث.
[9] "المغني" (5/ 412).
[10] "الفتاوى الكبرى" (5/ 408).
[11] "المحلى" (8/ 194).
[12] إن شئت في تعريف الجعالة والإجارة انظر كتب الفقه، وانظر الكلام الآتي عن ابن قدامة وغيره، وانظر: "أحكام الرقى والتمائم" (79)؛ لفهد السحيمي.
[13] وفي الحديث أنَّ أهل الحي أعطوهم المال بعدما شفي سيدهم.
[14] قال العبدري: ومن ابن عاتٍ: لا يجوز الجعل على إخراج الجانِّ من الرجل؛ لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه، ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه، وكذلك الجعل على حلِّ المربوط والمسحور؛ "التاج والإكليل لمختصر خليل" (7/ 600) ط العلمية، وقال المرداوي: ولا يجوز التقدير بالبرء عند القاضي؛ "الإنصاف" (6/ 75) ط إحياء التراث.
[15] "حاشية الجمل على المنهج" (3/ 621).
[16] "المغني" (5/ 400).
[17] "الإنصاف" (6/ 75).
[18] "مجموع الفتاوى" (20/ 507).
[19] "فتح الحق المبين في أحكام رقى الصرع والسحر والعين"؛ لأسامة المعاني (347).
[20] قال البعض: إنَّه لا يجوز أخذ الأجرة إلا بعد الشفاء؛ وهذا قولٌ ضعيفٌ.
[21] "بيان الأدلة العقلية والنقلية في الفرق بين الرقية الشرعية والرقية التجارية" (9، 10).
[22] أخرجه مسلم (1828)، عن عائشة.
[23] أخرجه البخاري (7159)، ومسلم (466).
[24] أخرجه البخاري (2276)، ومسلم (2201).
[25] "التمهيد" (2/ 270).
[26] صحيفة الجزيرة، العدد (10097)، فاسألوا أهل الذكر.
[27] "الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية".
رابط الموضوع:
http://www.alukah.net/sharia/0/106656/#ixzz4fI4XepJf
رواية نابليون في الأزهر لنجيب الكيلاني
نماذج إسلامية من القصص الروائي (1)
من القصص الروائيِّ الرائع ما كتبه الأديب الدكتور نجيب الكيلاني من مثل قصته: "ليالي تركستان"، وقصته: "عمالقة الشمال"، وقصته: "طلائع النور"، وقصته: "نابليون في الأزهر" تلك التي سنخصُّها بالدراسة، لا على أن غيرها مما كتبه في القصة دونها، ولكن لبروز الملامح الفنية الإسلامية في كثير من فصولها وأفكارها وموضوعاتها.
وثمة خصوصية أخرى برزت في سياق هذه القصة الروائية مِن بدايتها إلى نهايتها، وتلك الخصوصية تتمثل في حشد طائفة من الأشخاص الحقيقيَّة والخيالية المتباينة سلوكًا ومظهرًا ومُعتقدًا، مما يُتيح للناظر الوقوف على قدرة هذا الكاتب الفنية التي مكنته من صياغة كل حدث بما يتلاءم مع هذه الشخصيات، على اختلافها في المظهر والمخبر، والنظرة إلى الحياة والأحياء.
ولقد اشتملت هذه القصة على أربعة وثلاثين فصلاً، في أربعة وخمسين ومائتي صفحة.
وإيراد نصوصها كاملة يفوت على الطلبة الدراسة والغاية منها؛ ولذلك سنَجتزئ نماذج من عدد من فصولها.
فمِن نصوص الفصل الأول يقول الكاتب "الكيلاني":
"بولاق في أواخر القرن الثامن عشر" والسفن ترسو بالميناء الشهير حاملة شتى أنواع البضائع مِن أنحاء الأرض، وقصور الكبار من رجالات القاهرة تقف شامخة كقلاع صغيرة، وأغلب هذه القصور يسكنها المماليك والأتراك، وعدد قليل من المصريين الأثرياء؛ كالتجار وأصحاب المناصب، وخلف تلك القصور الشامخة وحدائقها الشائقة تقبع البيوت الصغيرة الكثيرة؛ حيث يعيش أبناء الطبقة الدنيا، ومنهم أصحاب الحِرَف الصغيرة، والباعة المتجولون، وصغار تجار التجزئة، وفقهاء "الكتاتيب"، والخدم والخفراء وغيرهم.
والحركة في بولاق دائبة لا تكِلُّ، وأصداء أصوات الباعة تملأ الطرقات، والنسوة يَسرْن متَّشحات بالملابس السوداء، على وجوهِهنَّ خُمُر شفافة، تزيدهنَّ جاذبية ورقة، وعدد مِن الأطفال الحفاة يتخبطون ويسرعون هنا وهناك، ومِن آنٍ لآخَر تظهر عربة مُزركَشة محلاة بالمعادن الثمينة، تجرُّها الجياد المطهمة، يسبقها اثنان أو ثلاثة من العبيد المُهروِلين، وبداخلها مملوكي كبير المقام، أو تركي مِن عِلية القوم، ترتسم على وجوههم سيماء الكبرياء التي لا حدَّ لها، وقد يَخترق الشارع فارس من رجال مراد بك أو إبراهيم بك - قادة المماليك وحكام مصر - في رعونة وطيش دون أن يَخشى طيشًا أو عقابًا.
وفي مكان يبعد كثيرًا عن ترسانة بولاق الشهيرة، كان يوجد منزل الحاج "مصطفى البشتيلي" أحد كبار التجار، لم يكن منزله قصرًا منيفًا كباقي القصور، ولم يكن متواضعًا كبيوت الطبقة الكادحة، وإنما كان في مكانة بين الاثنين.
ويستمر الكاتب في سرد أوصاف منزل الحاج "مصطفى الشتيلي" أحد شخصيات وأبطال هذه القصة الروائية الإسلامية، حتى يلجَ إلى الغاية والدور الذي يؤديه هذا البطل قائلاً:
• "وفي حجرة الاستقبال الرئيسيَّة جلس الحاج مصطفى، وحوله عدد مِن الأصدقاء، فيهم الشيخ "علي الجنجيهي" مُقرئ القرآن وصاحب الصوت الرخيم، وفيهم العالم المتبحِّر الشيخ "إبراهيم سلامة"، و"أحمد المدبولي" صاحب الخِبرة في صناعة البارود والسلاح، والحاج "غمري" التاجر الصديق، وغيرهم من الشيوخ والشبان[1]".
ثم يمضي الكاتب في وصف الجلسة التي جمعت هؤلاء الأشخاص على هيئة معيَّنة من حيث وصف المكان والزمان وما عليه كل شخص من السمات والأوصاف التي تتلاءم مع الشخصية، والجودة في أداء مشاهد هذا الفصل؛ فمثلاً "الحاج مصطفى البشتيلي" شيخٌ وقور، مُطرق، دائم التفكير، يَعتمل في ذهنه وتتردَّد في خواطره وتُلامس شغاف نفسه "انفعالات شتى لا يعرف مِن خلالها كيف يتلقى الأمر، ولا كيف يزنه الوزن السليم، وكل شيء في هذا العالم مِن حوله مُضطرِب متناقِض "يَشعُر وكأن روحه سجينة مقهورة لا تستطيع التحليق والانطلاق لسَحقِ الرؤوس العَفِنة، وتحطيم كل القيم السخيفة، وكلما همَّ بمقاومة أعداء الدين والفضيلة والمجتمع المسلم وقفَت في طريقه ابنته "زينب"، وحرَمُه التي اعترضت طريقه في إصرار وحزم مُطلِقة عبارة قاسية شديدة: "لن تخرج مِن هنا إلا على جثَّتي".
ثم يَعرض الكاتب شخصية المُقرئ الشيخ "علي الجنجيهي"؛ إنها شخصية تتصنَّع البهجة والسرور، وتُداوي جراحها بالصبر والأناة، فتُطلِق العبارات التالية:
• "لا أسكتَ الله لك حسًّا".
• "أتنوي إقامة مأتم مِن أجل إشاعة كاذبة؟" كاذبة! أَفِق يا مولانا.
وهكذا يستمر الكاتب في عرض هذه الشخصيات وأوصافها حتى يُشكِّل مِن هذه الأوصاف وما يدور في خلدها من عبارات وآراء - عقدةَ هذا الفصل، وما ينبغي أن يُتَّخذ إزاءها من حلول تعيد الحق إلى نصابه.
ومن هنا نُدرك عقدة القصة بارِزة في سيادة خليط من الناس الغرباء على الأرض والعقيدة والمجتمع، إنهم سادة من المماليك والإنجليز، منهم كافر ومنهم مسلم، لكن لا حول ولا طول للمسلمين على الكفرة من الإنجليز.
وهنا يدور الحديث التالي ذو الصبغة الإسلامية في كيفية إيجاد الحل لهذه المشكلة، فيَنسج الكاتب "الكيلاني" خيوط العقدة والحل متخذًا من أبطال القصة موقفًا إزاء كل شخص، فيقول عن دور الحاج مصطفى:
احتقن وجه الحاج مصطفى، وبدرت نظرة الغضب مِن وجهه المستطيل النحيل، وبرقت عيناه في حدة وقام مهتاجًا:
• كلهم ملعونون، لكن نحن، ما مصيرنا؟ وإلى متى نظل ألعوبة في يد الغرباء والغزاة؟
هل خلقنا الله لنكون مطية يركبها كل قادم مِن وراء البحار؟ هل كُتب علينا أن تبقى حياتنا سلسلة متصلة الحلقات من الإذلال والضياع، قال الكاتب: ثم التفت إلى الشيخ "إبراهيم سلامة"، وكان يُجله ويحترمه، وقال:
• تكلم يا مولانا..
هزَّ الشيخ رأسه وتمتم: إن ما تقوله يا بشتيلي هو الصواب، لكن لا تنسَ أن الأتراك والمماليك مسلمون مثلنا، لكنَّ الفرنسيِّين شيء آخَر.
• هذا لا يهمُّ يا شيخ إبراهيم؛ أين نحن من هذا كله؟ وإلى متى نظل ألعوبة؟
• هذا قضاء الله يا بشتيلي، نسينا الله فوكَلنا إلى أنفسنا، ونحن تقاعسنا فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومرت لحظة صمت قال الشيخ إبراهيم بعدها:
• ومع ذلك فأنا أشكُّ في المراكب الإنجليزية التي رسَت بشطِّ الإسكندرية ثم رحلت بعد أن أطلقت تلك الشائعة، لعلهم كانوا ينوون التهامنا، وأعتقد أن قوة الحكام العسكرية - على أسوأ الفروض - تستطيع أن تصمد أمام عدوان فرنسا المُحتمَل، وقد أكَّد إبراهيم بك ومراد بك ثقتهم الكاملة بالنصر.
ابتسم البشتيلي في غيظ وقال:
• إنه الغرور.. ألم تسمَعوا عن "نابليون" وتدويخه لأوروبا؟ ألم تسمعوا عن أسلحتهم الحديثة؟
• قال الحاج "غمري" التاجر: نحن وراءنا تركيا بأَسرِها؟ والسلطان لن يُفرِّط في شبر مِن مملكته.
رد البشتيلي:
• السلطان في حالة لا تسرُّ؛ إنه يعالج سكرات الموت مِن الضربات التي يكيلها له أعداؤه، ومع ذلك فأنا أفكِّر في اتجاه آخَر.
الجميع: نحن.. نحن.. كيف نتصرف؟
لقد ظل أحمد المدبولي صامتًا طوال الوقت يَستمع الحوار المحتدم ثم نطق أخيرًا فقال:
أما أنا ففي الانتظار، وما عليَّ إلا أن أضاعف مِن إنتاج السلاح والبارود، وسأبيع لمن يَشتري ما عدا الفرنساويِّين، وأظن أنه يكفينا نقاشًا، ولنستمع إلى الشيخ "الجنجيهي".
قال الكاتب:
تربع الشيخ الجنجيهي ووضع يمناه على يَمين وجهه، وتنحنَح، ثم استعاذ وبسمل، وأخذ يقرأ: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 9، 10][2].
وتنتهي أحداث الفصل الأول من هذه القصة الروائية الإسلامية، تنتهي بسياق آية من كتاب الله - سبحانه وتعالى.
ويعنى ذلك بروز الفنِّية الإسلامية عند الكاتب؛ فرُوحه مُشبَعة بهدي الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة.
وفي ذلك الختام لهذا الفصل تبدو سيطرة الفِكر الإسلامي في أيِّ لون من ألوان الأدب، الأمر الذي يعني أن مصادر الأدب الإسلامي - في الذِّروة منها كتاب الله - المعدن والمصدر الأول للتعليم والتوجيه والفِكر، وإن لم يكن كتابًا مُتخصِّصًا في الأدب؛ لأنه كتاب الله مصدر كل خير.
ولنقف على شيء من نصوص هذه القصة في فصلها السادس؛ حيث احتدمَت أفكار الكاتب حول الجهاد الإسلامي المظفَّر إزاء كل قوة تريد النَّيل من الأمة المسلمة وعقيدتها وأرومتها وسيرها في حياتها، ومناصبتها العدوان حسَدًا وضغينة.
ومِن هنا يسلسل الكاتب الكيلاني أفكار هذه القصة في موضوعات فصلها السادس، متَّخذًا من الفِكر الإسلامي نسيجًا مَتينًا مُحكمًا لإخراج هذا النصِّ القصصي وفق المعالم الفنية الإسلامية، فيمضي قائلاً:
• "قال أحمد المدبولي: رجال إبراهيم بك استولوا على كل ما عندي مِن بارود دون أن يدفعوا شيئًا، إن السلب والنهب لا يُفارقهم حتى في أوقات الحرج.
أسرع البشتيلي قائلاً:
ماذا في ذلك؟
لكنك أقمتَ الدنيا وأقعدتها عندما نهَبوا مَتاجِرك.
الوضع يَختلف يا مدبولي.
وما أطعم أولادي يا بشتيلي في هذه الأيام السوداء؟
الحرب تعني التضحية؛ فنعمَ ما فعَلوا!!
التضحية يا بشتيلي لا تكون سلبًا ونهبًا وقهرًا، والذي يُضحِّي ويترك أولاده خاوية بطونهم إنسان مجنون.
ابتسم البشتيلي، وقال:
لا تتكلم عن خواء البطون، فأنا أعرف الكنز الذي ترقُد فوقه.
بصراحة يا بشتيلي، وهنا قاطعه قائلاً:
تكلم، خير لنا أن نمشي حفاة عراة جياعًا ونحن أحرار، مِن أن نسكن القصور، ونرفل في الحرير والرفد ونحن عبيد للفرنسيِّين.
قال المدبولي:
الكارثة هي أني لا أؤمن بجدوى المقاوَمة بعد كل الذي سمعته، يجب أن تفتحوا أعينكم جيدًا.
إن مدافع الأعداء لا يقف في طريقها شيء.
وخبرتهم الحربية فوق التصوُّر.
واستعداداتهم لا مثيل لها.
دعوا الأوهام والحماس جانبًا؛ وفكِّروا بعقل.
أعرف أن كلامي قد يُضايقكم، ولعله يَصِمُني بالجبن والخيانة.
ليكن، فأنا رجل أُحكم عقلي، وقد علمتني التجارة أشياء كثيرة[3].
وبعد أن ينتقل الكاتب "الكيلاني" بأحداث هذا الفصل ضمن أسلوب قصصي فنِّي تَحكم إطاره عبارات حوارية بين أبطال مَشاهده، ما بين استفهام وتعجُّب، وعرض وإقناع ومشادَّة، حتى إذا شكل عقدة الفصل اتَّجه إلى أسلوب الحلِّ الناجع.
ومِن هنا يُدرك القارئ والمتلقي قدرة الكاتب على استكناه الغاية مِن القصة الإسلامية، وذلك بربطِها إلى التصور الإسلامي وشدِّها إلى مِحوَره؛ حيث تبرز نقطة الحل مِن نقطة الانطلاق إلى الجهاد الإسلامي، فيدور المشهد الأخير مِن هذا الفصل في ظلال الأسلوب التالي من قوله:
توتُّر الجو في منزل الحاج "مصطفى" بصورة لافتة للنظر، لقد كانت زوجته أطوعَ له مِن بناته؛ لم تسفِّهْ له رأيًا، أو تعترض على أمر من الأمور، إن زوجها هو سيدها، وهي تؤمن بأنه يعرف أكثر مما تعرف، وخبرته في الحياة أكبر من خبرتها، ثم إنه - أولاً وأخيرًا - رجل، هل تستطيع أن تنسى وضعها البديهي المعروف - كأنثى في منزله - التابع المُطيع.
لقد خرجت عن هذا الوضع المألوف فجأة، وأقامت الدنيا وأقعدتها، وخاصة عندما أعادت النظر في تصرُّفات زوجها، لقد رفض رأيها في الهجرة قبل أن تَقترب ساعات الخطر، لم تستطعْ أن تلحَّ عليه كثيرًا؛ لأنها تعلم الكثير مِن صلابة تشبُّثه وعدم تنازله بسهولة عن رأي ارتضاه.
لكنَّها فوجئت به يُجنِّد ابنه الوحيد، ويدسُّه ضِمن القوات المجاهدة، بل في الصفوف الأولى تحت إمرة إبراهيم بك الذي عسكر بجيشه عند بولاق.
ومعنى ذلك أن فرصة النجاة لولدها أصبحت نادرة الحدوث، ولم يَكتفِ الزوج بذلك، بل دسَّ نفسه ضمن القوات البحرية على إحدى السفن الراسية في الميناء.
وأكبر مِن ذلك أنه لم يرحم ابنته (زينب)؛ فقد اختطف خطيبها ودفعه إلى الميدان، بل واشترى شحنة هائلة من البارود والسلاح بمبلغ كبير من ماله ووزَّعه على القوات المُجاهِدة، وتخلَّص مِن معظم المخزون لديه مِن البضائع بأبخس الأثمان؛ كي يموِّل بها المُحاربين.
وعندما بدت الدهشة على وجه زوجته صرخ محتدًّا: أيتها الجاهلة، لقد استطاع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن يجهز جيشًا كاملاً مِن ماله في صدر الإسلام، وما عند الله خير وأبقى، والدنيا كلها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لقد شغلتْك الدنيا عن كل معنى نبيل، إنك لم تفكِّري في شيء سوى أولادك والمال والخنوع للحياة الدنيا، يا للمهزلة! ومنذ متى كنت تعترضين مَشيئتي"[4].
وهكذا يمضي الكاتب في تصوير المشاهد وعرضها بأسلوب قصصي رائع، مُستلهَم مِن الفكر الإسلامي.
فيُصوِّر موقف الزوج والزوجة، حتى ينتهي الأمر بالإصرار على الجهاد، ويصور احتدام المعارك بين المجاهدين وأعدائهم مبينًا غاية المسلم من الجهاد، وأنها في إحدى الحُسنَيَين (النصر أو الشهادة)، ومِن هنا يصور الكاتب مشاهد المُجاهدين ما بين قتيل وجريح مضرَّج بالدماء، ويُصوِّر لوعات الأقارب وأحزانهم وصبرهم وبلاءهم، وكل ذلك لم يثنِ عزيمة أحد مِن هؤلاء أو هؤلاء؛ ليَقينهم أنهم أحياء مهما ماتوا، وليَقينهم بعِظَم الأجر والمثوبة، نُصروا أو هُزموا.
ثم يُضفي الكاتب على بقية فصول القصة مِن سحر بيانه ما يعالج به عددًا مِن قضايا الإسلام والمسلمين في حقبة ضَعُف فيها المدد، وقوي فيها الأعداء، ويُلحُّ في كل فكرة يَسوقها على أن قوة المجاهد المسلم لا تكون إلا بالإيمان لتكون كلمة الله هي العليا، وأن كل شيء هالك إلا وجهه.
وبعد، فلنتخيَّر بعض الجزئيات التي أدرجها الكاتب في تلك القصة التي سكَب قوالبَها في أربعة وثلاثين فصلاً لنتبيَّن أن كل فصل يُعبِّر عن مشهد تتنوَّع جزئياته مِن الأطر القصصية ذات الصِّبغة الفنيَّة ما بين مشاهد درامية في أسلوب حواري متكرِّر في عدد مِن أبطال القصة الذين يُسوِّقون أحداثها مِن خلال واقع مجتمع مسلم كادت تذهب ريحُه وتَنفلِت عُراه، وتقضي عليه زمرة الكفْر والإلحاد، لولا أن الله سلَّم وانتصر للحق، فهو الحق وحده لا شريك له، وهو وحده لا قوة ولا حول ولا طول لغيره.
وفيما أوردنا من نصوص الفصل السادس من فصول هذه القصة يلحُّ الكاتب على فكرة إسلامية تربط الناس بخالقهم كلما حزبهم أمر، يقول على لسان أحد أبطال القصة في هذا الفصل وكان تاجرًا سماه: أحمد المدبولي، مخاطبًا بطلاً آخر مِن أبطال القصة (البشتيلي):
• "رجال إبراهيم بك استولوا على كل ما عندي من بارود دون أن يدفعوا ثمنًا، إن السلب والنهب لا يفارقهم حتى في أحرج الأوقات وأدقِّها، أسرع البشيلي قائلاً: وماذا في ذلك؟ يرد التاجر أحمد المدبولي: لكنَّك أقمتَ الدنيا وأقعدتها عندما نهبوا متاجِرَك، وهكذا يستمر الحوار بين هذين البطلين حتى يقاطع التاجر بهذه العبارات عن معنى الجهاد والتفكير فيه بعقل وروية حتى لا يَنزلِق المُجاهدون ويرموا بأنفسهم إلى التهلكة، فلا بد مِن استعداد تام وقوة تقودها قوة الإيمان والضمير، يقول التاجر: "الكارثة هي أني لا أؤمن بجدوى مقاومة الأعداء بعد كل الذي سمعته، يجب أن تفتحوا عيونكم جيدًا، إن مَدَافع الأعداء لا يقف في طريقها شيء، وخبرتهم الحربية فوق التصور، واستعداداتهم لا مثيل لها، دعوا الأوهام والحماس جانبًا وفكِّروا بعقل، أعرف أن كلامي قد ضايقكم، ولعله يَصِمني بالجبن، ولكن ليكن ذلك، فأنا رجل أحكم عقلي، وهنا يسود الأبطالَ صمتٌ رهيب حتى يَخرج فيهم أحد أبطال القصة واسمه (إبراهيم)، فيَنفجِر غضبًا، لكن البشتيلي يقاطعه في هدوء ليرد على التاجر قائلاً: لك أن تفكِّر كيف شئت؟ وتصل إلى ما يُقنعك مِن نتائج، لكن الشيء الذي لا جدال فيه هو أن أيَّة أمة يعتدي عليها المعتدون لا بد أن تهُبَّ للدفاع عن ذاتها وحوزتها وعقيدتها، وهنا يعود الهدوء إلى نفس الشيخ إبراهيم، فيرد على التاجر قائلاً: دائمًا تنسى يا مدبولي حكمَ الله في مثل هذه الأمور البديهية؛ لأنك تفكِّر بعقل التاجر وأسباب التجارة، ناسيًا أو متناسيًا أن الجهاد شيء آخَر؛ فقد يخسَر الإنسان المجاهد ماله وحياته وأولاده، لكنه هو الظافر الرابح، مدبولي مقاطعًا: ولكن كيف؟ الشيخ إبراهيم: هكذا قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169] إلى آخره مِن آيات الجهاد الكثيرة.
ويستمر الكيلاني في أحداث القصة حتى يَختم أحد مشاهدها بمشهد يتمُّ فيه تجنيد أحد الرجال ابنه الوحيد الذي لا ولد له ولا لأمه سواه، ويركِّز الكاتب على استجاشة عاطفة الأمومة نحو الولد، واستثارة روح الحماس مِن الأب، ويَنتهي المشهد بتغليب موقف الأب، فيَنخرط الابن في صفوف المُجاهدين، وتظل الأم واجمة النفس مُضطربة القلب، وخاصة عندما يشرد بها الخيال فتتخيَّل أن وحيدها قد لا يرجع إليها، وأن زوجها قد تقضي عليه رميَة طائشة، ولكن فجأة يعود الابن بعد أن أبلى في الجهاد بلاءً حسنًا، يعود ليرد إلى أمِّه شيئًا مِن البر بها؛ انطلاقًا من هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ففيهما فجاهد)).
وهكذا تستمر أحداث هذه القصة الروائية الإسلامية بعد أن يترك الكاتب في آخِر فصل مِن فصولها ختامًا بين مصيرين؛ أحدهما: مصير الكفر بين موت وضياع، وثانيهما: مصير الإيمان بين حياتين كريمتَين في الدنيا والآخرة؛ فالأحياء من المؤمنين آوَوا ونصروا ونشروا العدل والسلام، والأموات أحياء عند ربهم يرزقون، ويترك هذا الكاتب الإسلامي على آخِر سطر من سطور قصته (نابليون في الأزهر) عبارة ماتَ برتلي، وعاش البشتيلي، على الرغم من بقاء (برتلي) في حياة بين الذل والضياع والهوان، وموت البشتيلي ملتحقًا بركب الشهداء والأولياء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وفي حسنِ هذه الخاتمة تتجلى قيَم شعورية راسخة في قلب كل مسلم، وبخاصة المسلم الأديب؛ لشفافية روحه وصدقه، هذه القيم هي: الصدق، والإخلاص، والإنسانية.
فالصدق أول عنصر توحي به إنسانية القصة، صدق الإحساس وصدق التعبير؛ حيث لا صنعة ولا تزيُّد، والصدق في القصة الأدبية - وبخاصة القصة الإسلامية - لا بد له أن يعتمد على نفاذ البصيرة وألمعيَّة الفِكر؛ فإنه لا سبيل إلى الإحساس الصادق، والتعبير الصادق إلا إذا كان الكاتب مزوَّدًا بقوة الفهم للنفس الإنسانية وسَبرِ أغوارها، وبالحِذق في تصيُّد خوالِجِها الباطنة.
ومعلومٌ أن الصدق الشعوري والصدق الفني مِن خلال براعة التصوير لأحداث القصة وعرض موضوعاتها لمعالجة واقع اجتماعي ينبغي إصلاحه، إنما ذلك الإخلاص في العمل الأدبي، وأيُّ قصَّة أدبية تَحيد عن هذه القيَم، أو هذه الخصائص إنما هي "قصَّة لا يزيد طنينها على أن يَعبر الأسماع، ولا يُمكن أن يكون سلطانها إلا بارد الأثر، عاجزًا عن أن تستجيب له النفس".
[1] نابليون في الأزهر، ص: 5 وما بعدها، د. نجيب الكيلاني.
[2] المصدر السابق، ص: 8 وما بعدها.
[3] المصدر السابق، ص: 44 وما بعدها.
[4] المصدر السابق، ص: 47 وما بعدها.
أسباب النفع بالرقية الشرعية
الحمد لله صاحب السلطانِ، المهيمنِ على الإنس والجان، بيده الأمر والملكوت، وهو الحي الذي لا يموت، سلطانه على كل شيء، لم يجعل لأحد على مؤمن سبيلًا، خلَق الناس أحرارًا، فأبى أصحاب الأهواء إلا أن يتسلَّطوا على الناس، فاستجاب لهم سفهاءُ القوم ممن لم يعرفوا لله قدرًا، ولم تهتدِ إليه عقولهم، فلم تأنسْ به قلوبهم؛ فظَنُّوا أن أحدًا غير الله سبحانه يملك لهم ضرًّا أو نفعًا، أو أن أحدًا يملك الوساطة بين العبد وربِّه؛ فسجدوا لهم وركعوا؛ فسلَّطهم الله عليهم فاستعبَدوهم، والحقيقة أن أهل السنة عرفوا الحقيقةَ جليَّةً في أن علاقة العباد بعضهم ببعض هي النصح والإرشاد، وتعريف الناس بربِّهم دون وسيط، وأن كلَّ عبد يستطيع أن يَصِل عند الله أعلى المنازل دون واسطة، ولو أراد أهل السنة الدنيا لعلَّقوا الناس بهم كما يفعل المبتدعة من أهل الدنيا بالناس.
اعلم أخي في الله: أن أَولى الناس بالرقية لك ولأهل بيتك هو أنت، وأنه عندك ما عند أيِّ معالج، بل عندما يتعلَّق الأمر بك، فأنت أفضل منه؛ لأن علاج القرآن لا يعتمد إلا على صدق اللجوء إلى الله، والإخلاص له، مع صدق الضرورة، وإظهار الحاجة إليه، وأن الله البَر الرحيم يستجيب للكفار عند إخلاصهم في دعائهم: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62]، فكيف بأهل الإيمان إن صدَقوا وأخلَصوا، وسمعوا وأطاعوا، وقدَّموا لله وتقرَّبوا، وبعدوا عن غضبِه، واتبَعوا سنة نبيِّهم، ويجب على المريض أن يسمع ويطيع لمن يطلب منه الشفاء، فلا يقدم عليه، ويبعد عن مخالفته، خاصة في استعمال التلفزيون، فلا يترك القنوات التي تعرض المحرَّمات وإن كانت صغيرةً بأي حُجة، كما يجب أن يبتعدَ عن التدخين استجابةً لله عز وجل.
واعلم - أخي الحبيب - أنك صاحب الحاجة؛ فأنت أقدر على معالجة نفسك وأهل بيتك، خاصة إذا علمتَ أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرقي العبد نفسَه وأهل بيته، ولا يملك أحدٌ لأحد أكثر من الدعاء، وعلى الله القبولُ، وهذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دعا للمرأة المصروعة بألا تتكشَّف، وغيرها، وأن ما أحدثه الناس من أمور المعالجين والتعلُّق بهم ليس من السُّنة في شيء، والذي يحرص على مرضات الله يرشدُ الناس إلى السُّنة، ويعلِّقهم بربهم لا سواه، وإن كان سواه الأنبياء والمرسلين، مع الحفاظ على منازلهم أنهم أفضلُ الخلق، والصادقون المبلِّغون عن الحق، ولكن هذه هي دعوتهم أنفسهم، صلوات ربي عليهم وتسليماته ورحمته وبركاته.
وأيضًا في علاج الشخص لنفسه وأهل بيته السِّترُ وحفظ العَوْرات، ومع الافتقار إلى الله والصدق معه، واليقين في قدرته، وتسليم الأمر له سبحانه، والرضا بقضائه وقدره، وعدم الاشتراط عليه - يأتي الإحساس بالرضا من الله، واللطف والسكينة، فليس السعادةُ مع الله في الشفاء فقط، فإن المرأة المصروعة أرشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر، ولم يدعُ لها بالشفاء وهو صاحب الدعوة المستجابة؛ ليعلِّم الأمة كلَّها أن الخير في اختيار الرب الجوَاد الكريم الذي يعرف ما يصلح العباد، وأن الصبر والتسليم، والرضا والقَبول، هو الأصلح للعبد في عَلاقته بربه سبحانه وتعالى، وفَّقنا الله وإياكم لكل خير، وجنَّبَنا كلَّ شر.
.
Commentaires
Enregistrer un commentaire